الرئيسية » تحقيقات » بائعة المناديل التي كرمها الملوك.. حكاية “عزيز قوم ذل”

بائعة المناديل التي كرمها الملوك.. حكاية “عزيز قوم ذل”

في ميدان المديرية بمدينة بني سويف، وأمام عمر أفندي، تجلس “الحاجة فايزة” 65 عاما، على مقعد متحرك، وأمامها “قفص بدائي” وضعت عليه بعض علب المناديل، حيث يتوافد عليها المارة لشراء المناديل مقابل جنيه واحد “الثمن الحقيقي للعلبة” دون تبادل كلمات تقريبا، إلا إذا حاول أحدهم منحها نقودا على سبيل الصدقة، فتخرج عن صمتها وتصر على أن يأخذ المناديل أولا.

منذ عشر سنوات تقريبا، اعتادت “فايزة” الجلوس في هذا المكان، إذ تأتي يوميا من السابعة صباحا وتجلس حتى الثانية ونصف ظهرا، وطوال هذا الوقت تظل شاردة، لا تفعل شيئا سوى النبش في الذاكرة ورحلة حياتها التي تمثل قصة من أغرب الحكايات التي لا يتخيلها المارة الذين لا يرون فيها إلا مسنة تستحق الشفقة، ومن لا يعرفها قد يظنها متسولة تتخذ من المناديل وسيلة للتسول، دون أن يعلم أحدهم ما وصلت إليه يوما من ثراء ومكانة اجتماعية جعلت الرؤساء والملوك يسارعون في تكريمها.

عزيز قوم ذل
“عزيز قوم ذل” ربما كان هذا عنوان قصة الحاجة فايزة، بائعة المناديل، وهي القصة التي بدأت في الثمانينات من القرن الماضي، بحسب رواتيها، عندما قررت هي وزوجها “إسماعيل” السفر إلى العراق “لأكل العيش” كآلاف المصريين وقتها، حيث عمل زوجها هناك في المقاولات، التي مكنته من جمع مبلغ كبير من المال ساعده على فتح فندق خاص به، لتبدأ الحياة في الابتسام للزوجين، لاسيما بعد إنجابهم ثلاثة من الأبناء.

“كان المصريين واخدين حقهم في العراق وكان الرئيس صدام حسين بيعامل المصريين هناك معاملة أهالي العراق، لدرجة أنه كان يطرق الأبواب للسؤال على المصريين وهل لديهم شكاوى أو مشكلة”.. هكذا تتذكر فايزة كيف لاقت معاملة حسنة لدرجة حصول أبنائها الثلاثة على الجنسية العراقية، واستخراج شهادات ميلاد عراقية لهم، بالإضافة إلى بطاقة لصرف الحصص التموينية شهريا من العراق.

ظلت الحياة جميلة بالنسبة لأسرة فايزة، إلى أن جاءت حرب الخليج الثانية، لتحمل لها ذكرى سيئة، حيث أصيبت في ظهرها بشظية، وتقول: “وقتها الرئيس صدام جالي المستشفى للاطمئنان عليّ، فقلت له فداك نفسي يا أبو عدى، فأمر بعلاجي على حساب العراق، وسألني هل تبغي شيء آخر؟ فطلبت سيارة، وفعلا عندما خرجت من المستشفى استلمت مفاتيح أفخم سيارة ومكثنا فى العراق 24 عاما من العز والثراء” إلى أن بدأ الغزو الأمريكي على العراق.

رحلة الانهيار
وكما انهار كل شيء في العراق بعد الغزو، انهارت حياة فايزة وانقلبت رأسا على عقب، “بعد سقوط صدام، قام العراقيون بالاعتداء على المصريين، لأننا كننا مؤيدون لنظام صدام، وجاء شخص عراقي إلى زوجي وطلب منه أن يترك بيته وفندقه وكل شي ويرحل لمصر فرفض زوجي، فقام العراقي بقتله”، لتبدأ القصة الجميلة في التحول إلى فصول مأساوية.

بعد مقتل زوجها أمام عينها، تستكمل فايرة: “هربت ومعي وأبنائي الثلاثة من الباب الخلفي للفندق، سيرا على الأقدام حتى حدود الأردن رغم إصابتي، وهناك تم القبض علينا”.
بنت النيل لاتهان
ورغم تعرضها للسجن في الأردن هي وأبنائها الذين كانوا أطفالا وأحدهم رضيعة، إلا أنها لا تنسى موقف ملك الأردن معها بعد علمه بقصتها، حيث أمر بحجز تذاكر لها ولأبنائها على باخرة “ابن خلدون”، قائلا، بحسب فايزة: “بنت النيل لا تهان ولا تذل وترجع لبلادها معززة مكرمة”.

أخيرا عادت فايزة إلى مصر، حيث تسلمتها المخابرات المصرية وتم احتجازها لفترة حتى تأكدوا أنها ليس لها أي نشاط من أي نوع، لتعود إلى مسقط رأسها في بني سويف، ليبدأ فاصلا جديدا من المعاناة.

عندما عادت فايزة إلى مصر، كانت قد خسرت كل شيء، زوجها، وثروتهم التي جمعوها طوال سنوات الغربة، والأسوأ أنهم لم يكونوا قد اشتروا بيتا في بني سويف، فلم يكن أمامها إلا بدء رحلة كفاح صعبة بعد سنوات الراحة والثراء.

لم يكن أمام السيدة إلا تأجير منزل متهالك في إحدى قرى بني سويف، عبارة عن غرفة وصالة صغيرة، وبدأت تعمل في أي شيء لتربية أبنائها، إلى أن توفى أحدهم، 18 عاما، عندما دخلت بعوضة في إحدى أذنيه، لأن الغرفة التي يقيمون، كانت تملأها مياه الصرف الناقلة للحشرات والأمراض.

وتقول فايزة: “منذ أن عدت من العراق، أرسلت العديد من الشكاوى للمسؤولين، سواء لصرف معاش شهري أو الحصول على شقة أو حتى العلاج مجانا من إصابتي، لكن دون جدوى ودون أن يلتفت أحد لظروفي، حتى بعد أن أصبحتُ عاجزة بعد إهمال علاج إصابت”.
ورغم كل شيء، ومن على مقعدها المتحرك، نجحت الحاجة فايزة في تربية أبنائها “الحمد لله زوجت بنتي سلوى واطمنت عليها، وابني خالد كبر وتزوج ويقيم معي في السكن”.

وفي آخر أيامها، لا تزال الحياة صعبة على السيدة المسنة التي تعاني الأمراض والذكريات السيئة، وأصبح أملها “نفسي أقابل الرئيس السيسى وأسلم عليه والمحافظة تعديني كشك صغير أبيع فيه المناديل وشقة ليا أنا وابني بدل الإيجار اللي مابنعرفش ندفعه لأن صاحبة البيت كل شهر تهددنا بالطرد لو مادفعناش وابني مش بيشتغل وأنا اللي باصرف على البيت وعلاجي من بيع المناديل، والحياة صعبة جدا” مختتمة بقولها ارحموا عزيز قوم ذل”.

 

المصدر:  ولاد البلد –صباح عبدالعزيز

عن سدمنت اليوم

سدمنت اليوم.. هو موقع ومجلة يقوم عليه مجموعة من الشباب المستقلين الغير تابعين لأي حزب أو فئة، كل هدفهم فتح رئة جديدة يتنفس من خلالها الشباب

اضف رد