الرئيسية » مقالات » من بريق الوجد تُرسم الكلمات

من بريق الوجد تُرسم الكلمات

في سمفونية عشق الحياة تنبض قلوبنا بعاطفة مبهرة من عدم إلى وجود مقلق، ومن شك إلى يقين متعب، حتى يتجلى الحق كرحمة ازلية ويوقف سرد ذاتنا الأبدي.

ولهذا فوعينا بالحياة يتشكل من لحظات متراكمة مشحونة بالمعنى ومن فواصل لا تحصى تلامسنا خلالها ظلال هذه اللحظات.

فبين بستان العقل ورياض القلوب معاني ودلالات مذهلة وأدوار دقيقة لو عكسناها لن ترضينا المشاهدة.. حشد من المعاني مترجم بكفن وكلنا رواحل في ميدان الزمن ومداخلنا شتى.

اللهم أنت الأول والأخر، والظاهر والبطن، ونحن منحة من منح عطائك الكثير ومداد قلمك الذي لا ينفد، اجعلنا يارب ومضة نور وخير في مشهد الحياة القصير، فما اضيق الدنيا اذا اقفرت عن المحبة والخير والتراحم.. عندها ستحرقنا شمس المصائب ويسرف الطواغيت في الهدم، ولم تعد اقدارهم ذلك، ليتميز ما تصنع ايادي الخيرين.

ولحياتنا قصة مثيرة مع ذلك الزمن اللعوب الذي يحتال عليها ويخرجها من دائرة المعنى إلى ساحة المتعة والتجاهل في حذف عقارب الساعة واصفارها.. وللغروب في ذاكرتنا حكاية لا يفهم ابجديتها الفراق واللجوء إلى زمن العودة.

وفي سياق البحث عن معنى العيش الحقيقي تنساب الأماني في امواج بحار العالم واعماقها السحيقة.. في اللاجدوى والفراغ، لكن في موسيقى مبهرة وحالمة ينصت لها العالم.

وفي المقابل تمر بنا لحظات صادقة، كثيفة المعنى، بالغة التوتر، تختزل فيها التفاصيل وتتوهج فيها البصيرة وتتالق الروح حتى كان العالم سكن القلوب فلا نقوى على القول الا بالاشارة.

والأيام تسبقنا عبر الزمن، نعانيها بألم ونعاينها بأمل.

حكم المنية في البرية جاري                ما هذه الدنيا بذات قرار

بينا يرى الانسان فيها مخبرا            حتى يرى خبرا من الاخبار

طبعت على كدر وانت تريدها            صفوا من الاكدار والاقدار

ومكلف الايام ضد طباعها                متطلب في الماء جذوة نار

فالعيش نوم والمنية يقظة                 والمرء بينهما خيال ساري

ابيات معبرة تظهر حقيقة الظلال على جدران كهف الحياة في تلاحم وتناغم عقلاني وجداني مخيق.. تصوير بليغ مبهر لا مجال للنسبية فيه ولا استثناء ولا الرجاء بحياة طويلة أو خالدة، وليس لنا في هذه الدنيا وايامها الفوارس السريعة سوى اختزان الذكريات التي لا يمحوها غبار العاديات من الأيام والأعوام.. نعيش بضع لحظات وبعض اوقات في غمرة انشغالنا باللحظة الحاضرة المتتابعة واحداثها المتسارعة ونائباتها الخيول. وربما عبر عن هذا الحال قول المعري:

غير مجد في ملتي واعتقادي              نوح باك ولا ترنم شادي

إلى أن ندرك أن كل شيء اذا اقترب من نهايته زاد من سرعته، وان حياتنا في هذه الدنيا تقترب من نهايتعا سريعا بحكم القدر، لا يبقى شيء بل وكأن شيئا لم يكن، وكأن الدنيا بأسرها زمن ساعة تعارف الناس فيها، عاشوها ثم انقضت..

خفف الوطء ما اظن اديم الارض           الا من هذه الاجساد

ثم تنطق الاضداد بما فيها الحياة والموت…

فرب لحد قد صار لحدا مرارا        ضاحكا من تزاحم الاضداد

استشعار مرير، فنحن في النهاية من سيموت ولا يبقى الا الاثر.. مسبقا نحن نعيش حياة الموت… نعيش لنموت.. نمارس العيش الافتراضي وفي الواقع لسنا احياء بل اموات في هيئة نيام… نلهو نلعب نعبث نضحك نبكي، تداهما الرغبة الملحة في توافه الاشياء، نعيش استهلاك الزمن يوما او بعض يوم، ولا نلبث الا قليلا. فالحياة ارخص من بعوضة ، واقل شانا ووزنا من حناحها. حتى تفاصيل عيشنا غائبة الا انها مستمرة في المظهر لاتزال ترفدنا بذاك الزمان وتلك الامكنة الحالمة، وحديث شوقنا لها شبيه بنبرة الحب في اصوات الصوفية.

 أ.م.د سامي محمود ابراهيم

 كلية الآداب جامعة الموصل العراق

مما يصلنا عبر الإيميل

عن سدمنت اليوم

سدمنت اليوم.. هو موقع ومجلة يقوم عليه مجموعة من الشباب المستقلين الغير تابعين لأي حزب أو فئة، كل هدفهم فتح رئة جديدة يتنفس من خلالها الشباب

اضف رد